السيد محمد حسين فضل الله
55
من وحي القرآن
سائرين على أقدامهم ، وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ أي بعير مهزول من شدّة التعب والجهد ، يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أي طريق بعيد ، لما توحيه كلمة العمق من امتداد ضارب في المجهول ، لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ في ما يحصلون عليه من خلال الحج من منافع دنيوية يحققها لهم اجتماعهم على مستوى التعارف والتبادل والتعاون والتشاور في المشاكل التي يعيشونها فكرا وواقعا ، عبر ما يثيرونه من قضايا وما يحددونه من أهداف وما ينتظرونه من حلول . وبذلك تسقط الحواجز المادية والنفسية التي تضعها الفواصل العرقية واللونية والقومية بين الناس ، ليلتقوا على صعيد واحد هو الإيمان باللّه ، والسير على منهجه ، والالتزام بدينه ، والجهاد في سبيله ، طلبا لرضاه ، مما يوفر لهم الخروج من الدوائر الضيقة التي يحبسون حياتهم فيها ، لينطلقوا إلى الدائرة الواسعة التي تحتويهم جميعا ، مما ينقذهم من مشاكل التجزئة في حل القضايا العامة التي قد يستغرقون معها في خصوصياتهم ، فيسيئون بذلك إلى تلك القضايا من حيث يريدون أو لا يريدون ، لابتعادهم عن الأسس التي ترتكز عليها القضايا الإسلامية لجهة علاقتها ببعضها البعض ، وارتباطها بالهدف الكبير الذي يتحرك فيه الإسلام في الحياة . وهكذا تتواصل المنافع الدنيوية في رحاب الحج ، لتصل إلى مستوى توحيد الموقف السياسي ، والتصور الفكري ، وتحقيق التكامل الاقتصادي ، والمواجهة الموحدة للقوى الطاغية وغيرها . وهذا ما يمكن الوصول إليه في هذا المؤتمر العالمي السنوي الذي يتشكل بطريقة عفوية ، امتثالا لأمر اللّه في العبادة ، ليمتد إلى امتثال أمره في حركة الإنسان في الواقع . . أما المنافع الروحية التي تتداخل - في أكثر من موقع - مع المنافع المادية ، فتأتي من التشريعات الإسلامية المتصلة بواجبات الحج المتنوعة التي تحقق لكل جانب من جوانب شخصية الإنسان ، حركة روحية تغذي فيه علاقته